عندما صفعتُ صغيري لأول مرة!!!
لم أشعر بنفسي إلا وأصابعي الباردة تلمس خده الدافئ بعنف! شعرتُ بالدماء تتجمد في عروقي وكل الغضب الذي كان يعصف بي منذ ثانيةٍ واحدة يتلاشى ليحل محله الخزي والخوف! واجهتني نظراته الدامعة في تحدي، لم يبكي لم يصرخ فقط نظر إليّ ! وكانه يواجهني بنفسي ليكشف لي زيفي وزيف كل شئ بداخلي كنتُ أؤمنُ به منذ دقائق قليلة ويؤكد لي مدى ضعفي أمام غضبي وبحثي عن مثاليةٍ لا أمتلكها ، بل وأتوقعها منه في كل وقت!
ضممته فوراً ،لكنه لم يتكلم، لم ينظر إلي، لم يبكي، فقط ترك شعور الزيف يتضاعف بداخلي ليملأ ذرات الهواء من حولي حتي كدتُ أختنق!
اعتذرتُ له كثيراً وطلبت منه أن يسامحني، وأخذتُ أبرر موقفي واشرح له لماذا خطأه أغضبني كثيراً حتى للم أتمالك نفسي ،اقتنع وقبل اعتذاري وتركني ليلعب وكأن شيئاً لم يكن، لكنني أبداً لم أسامح نفسي ولم أقتنع بمبرراتي التي كنتُ أشرحها منذ ثوانٍ بمنتهى الثبات، فقط أخذَ الصدى يتردد بداخلي ! هل كان الأمر حقاً يستحق!
مر وقتٌ طويل على ذلك الحادث، لكن الغصة مازالت تملأ قلبي كلما تذكرت ذاك اليوم، لم أعد أذكر السبب الذي أغضبني إلى هذا الحد!،لكنني ما زلت أتذكر نظراته المصدومة وانكساري في عينيه الصغيرتين.
بالأمس قلتُ له عرضاً ونحن نلعب أني فخورةٌ به، و أن عليه ألا يخشى شيئا أبداً ما دمتُ هنا! فاجأني قائلاً :أنا أخشى أن تضربيني مثل المرة الماضية! كانت تلك المرة الأولى التي يشير فيها إلى ذلك اليوم! كنتُ أظن واهمةً أنه نسي وصفح عني! أخذت أتلعثم بكلماتٍ غير مترابطة محاولةً تبرير موقفي، وأؤكدُ له مراراً أني لم أضربه من قبل ولن أضربه أبداً ثانيةً، اعتذرتُ كثيراً مجدداً من كل قلبي، وطلبت منه أن يسامحني فأخبرني انه قد فعل! لكنني أدركتُ بداخلي أنه لن ينسى أبداً، مثلما أتذكر كل مرة ضربتني فيها أمي ولم أغفر أبداً!
قررتُ أنني لن اتوقف عن الإعتذار أبداً حتى يصفح! ولن أسامح نفسي وان سامحني!
...
"الغضب يعمي الأبصار ويذهب بالقلوب"
لكن المرة الأولى قد تكون البداية وقد تكون الأخيرة، في كلتا الحالتين لن ينسى طفلك ولن يغفر، لكن القرار بيدك! لكِ الاختيار، وله التصرف، وفي كل الحالات عليكِ تحمل نتيجة القرار طوال حياتك، فلا شئ يُنسيٓ! ستظل ذكريات طفولته تلاحقكما أبد الدهر، حتى يكبر فإما حب و إما عداء!
‼️ لكِ الاختيار.. ‼️
مازالت هناك فرصة للخلاص والإصلاح، فاغتنميها قبل فوات الاوان، إن كنتِ تضربين أطفالك فتوقفي لدقيقةٍ وأجيبي ذلك السؤال "لماذا أضربهم؟ هل كان خطأهم حقاً يستحق! أجيبي بصدق بلا تبريرات، وتذكري في كل الأحوال أن الضرب لا يُقوم، لا يربي، لا يهذب! فقط يبرهن مدى ضعفك وقلة حيلتك، يكسر صورتك في عين أطفالك ويشوه ذكراك في قلوبهم للأبد!
إن كنتِ تضربين أطفالك فتوقفي الآن وإلى الأبد! واجتهدي أن تجعليهم يسامحونك، لربما قلوبهم عنكِ يوماً تصفح!
الأطفال لا يردعهم العقاب ولا يتذكرون الخوف ولن تستطيعي ملاحقتهم في كل مكان لا تراه عينكِ لترهيبهم!
وحده الحب سيرافقهم دوماً في قلوبهم، احترامكِ والرغبة في إسعادكِ ونظرة الحب والفخر في عينيكِ فقط ما سيردعهم، الحزم مطلوب و القوانين ضرورية، لكن الطريقة وحدها هي التي ستحدد استجابتهم والتزامهم.
إن ضربتهم ليلاً و نهاراِ وصرختِ في وجوههم بنِيةِ تربيتهم وتعليمهم؛ أؤكدُ لكِ أنهم لا يسمعونكِ أصلاً ولا يفهمون لماذا تضربينهم! يشعرون بالألم والمهانة فقط ولا يفهمون سوى انكِ تؤذينهم، وأؤكد لكِ أن الخطأ الذي عاقبتهم لأجله سيتكرر مراراً و تكراراً ولن ينتهي أبداً! لأنهم لم يفهموا أصلا سبب عقابهم وإن فهموه قد يلجأون لتكراره فقط رداً لاعتبارهم ورغبةً في الإنتقام منكِ وإغضابكِ لأنك تؤذينهم و تقهرينهم وتستغلين ضعفهم!
ستكتشفين بعد عدة أعوام من تلك الطريقةِ أنكِ صنعت بيديك عدواً لدوداً _يفعل أي شئ و كل شئ لإغضابك و كسر قواعدك ورؤيتك غاضبة حزينة_فقط ليرد اعتباره و ينتقم!
إن كنتِ تضربين أطفالك فتوقفي الآن وإلى الأبد، أنت الآن تفوقينهم حجماً وهم يرونك تقهرينهم و تؤذينهم، غداً سيكبرون وربما سيفوقونكِ طولاً وحينها لن يجدي ندم او إصلاحٍ لذلك العدو الذي صنعتِهِ بنفسك، لم يفُت الأوانُ بعد.. بإمكانك البدء الآن و إصلاح كل شئ بالتدريج، بالطبع لن يتغير الأمر بين ليلةٍ وضُحاها.
" فالتربيةُ صبرٌ وجهد ومزيدٌ من الصبر والجهد والدعاء أولاً و أخيراً"..
....
في السطور القادمة بعض الخطوات الأساسية التي يمكنكِ اتباعها للتغيير والتربية بحُب..
١.الحب في كل وقتٍ بلا شرط.
يجب أن تترسخ في أذهان صغاركم أنكِ تحبينهم دائماً وأبداً، مهما كانت الظروف، مهما كانت الأخطاء، تحبونهم بلا شرط ولا قيد، اخبريهم صراحةً بمميزاتهم وذكريهم كل حينٍ أنكِ تحبينهم، احتضنيهم في كل وقت وبلا سبب حتى تتشبع قلوبهَ الصغيرة بالحب و الأمان.
٢.قوانين َواضحة لا تتغير..
عليكِ وضع القوانين قبل وقوع الأخطاء _لا نسكب لا نلهو بالطعام نحترم الكبير لا نكسر نلتزم بوقت الدرس إلى آخره_ أخبريهم بقوانينك وقت هدوء و صفاء وحددي عواقب كل فعل وخطورته أو فوائده، ذكريهم أن تلك القوانين خوفاً وحرصاً عليهم وحباً لهم..
٣.عقاب بلا ضرب.
بالطبع سيحدث الخطأ و سيتكرر عليك حينها أن تكوني حازمة وصارمة وإن تقرري العقاب متناسبا مع الخطأ _بين منع من شئ يحبونه أو خصام، اطلبي منهم بحزم اصلاح الخطأ أو مساعدتك في إصلاحه، تحمّل المسئولية درسٌ عملي لهم عن تحمل العواقب وأن لكل فعل رد فعل، مستقبلاً سيفكرون ألف مرة قبل تكرار ذلك الخطأ مجدداً.
٤.الحوار و إبداء الأسباب أولاً و أخيراً.
بعد انتهاء التوتر و إصلاح الأخطاء و الإعتذار عليكِ تذكيرهم مرة أخيرة بعواقب الخطأ وأسباب غضبك وحزنك منهم بهدوء وما أن ينتهي الموقف وينتهي الحوار فقد انتهى تماماً إلى الأبد.
٥.تغافلي عن الهفوات..
قيّمي الموقف بعيداً عن تعبك وإرهاقك وتغافلي إن كان الأمر لا يستحق أو بغيرِ قصد وذكريهم بالقوانين بطريقة لطيفة.
لا تعاقبيهم على الأخطاء مُجتمعة و لا تذكرينهم بها في كل حين، ذلك سيعزز من احترامك لديهم،وسيؤكد لهم أنك تثقين بهم وتحبينهم.
تذكري أنك في كل يوم تضعين حجر بناء جديد في طفلك الصغير ليصبح شابا.. فإما عدو و إما صديق..
أحسنوا إليهم صغاراً.. يحسنوا اليكم كباراً..
تذكري دائماً وأبداً أن تطلبي العون من الله على تربيتهم وأن يلهمكِ الصواب ويرزقك القوة و الصبر للإحسان إليهم وتربيتهم بحب.
ادعِ الله أن يصنعهم على عينه الكريم وأن يحفظهم من كل شر..

تعليقات
إرسال تعليق