المعجزة الصغيرة التي عبرت وحدها المحيط..







تتسارع دقات قلبها في عنف، يزداد توترها بازدياد إيقاع الأغاني حولها ، صديقاتها حولها منشغلات في الرقص والضحك احتفالاً بزفاف صديقتهن القريب ولا يلاحظن شيئاً مما يعصفُ بها، تبادلهنّ الابتسامات متعجبةً كيف لا يسمعن دقات قلبها الصارخة؟ كيف لا يلاحظن انتفاضات جسدها العنيفة!


هناك شئٌ ما سيحدث بالتأكيد ، ولن يكون جيداً ، تشعر بذلك تماماً بكل ذرةٍ في كيانها!


لم تكن الشهور الست الأخيرة هينةً على الإطلاق، فمنذ احتل ذلك الزائر اللطيف أحشائها وهي لم تذق نوماً ولا راحة، ولم تتذوق طعام! شهورٌ من القيء المستمر والغثيان الذي لا ينتهي أبداً، مروراً بنوبات الهلع و الاكتئاب، انتهاءً بضغط الدم المرتفع! والذي لسوءِ حظها حدثت أزمة في تصنيع وتوفير دوائه، لتكتمل الملحمة، ويصبح كل شئ عسيرٌ على النفس، عصيٌ على التصديق أن يجتمع ليحدث كله لشخصٍ ما!
... 
بدأت الصور تتداخل أمام عينيها ! بالتأكيد سيحدث شئ ما، أصبحت واثقةً الآن ان ذلك اليوم لن ينتهي أبداً على ما يرام!

غادرتهم سريعاً لتذهب إلى الطبيبة بدون موعدٍ مسبق، لتخبرها أنها يجب أن تضع طفلها خلال ساعات! كانت تعرف احتمالية تعرضها لولادة مبكرة منذ بداية الحمل ، لكنها لم تكن تتخيل حجم صدمتها الحالية عندما عرفت أنها ستضع طفلها اليوم في شهره السابع!

توقف عقلها فجأة! ماذا ستفعل! ماذا سيكون مصير ذلك الطفل! هل حقاً ستصبح أماً ! هل سينجو! 

ساعات قليلة مرت في توتر ورعب وخوف ، وفي النهاية وسط دعاء الأهل والأصدقاء وُلدت "المعجزة الصغيرة" ! 


رضيعٌ بحجم كف يد يزن كيلوجراما واحداً ،قطعة لحمٍ غضة غير مكتملة النمو تصارع للتنفس ، تجاهد لتفسح لنفسها موطئاً في ذلك العالم القاسي، تنازع لتجد مكاناً مناسباً وسط عجز في أماكن استضافة الخدج _الرضع غير مكتملي النمو_ وارتفاع تكلفة الإقامة و القلق من مدى كفاية الرعاية لحالته وحاجته الخاصة والكثير من المخاوف التي تحيط بحالته الحرجة وصغر سنه وعدم اكتمال رئتيه! 

في النهاية استقر به المقام في إحدى مراكز رعاية الرضع الخدج على جهاز التنفس ، انتهى به يومه الأول متصلاً بالكثير من الأنابيب بعيداً عن والدته التي مازالت تحاول أن تفيق بعد معجزةٍ إلهية قدرت لها النجاة من تسمم حمل  وشيك! 
... 

في اليوم التالي غادرت المشفى  بقلب ذاهل، وجسد فارغ من معجزة صغيرة كانت تسكنه، وعقل يجاهد ليستوعب ما حدث في الساعات الماضية! 

وصلت المنزل لتستقبلها الملابس الصغيرة المتناثرة في كل مكان، والتي لم يسعفها الوقت لترتيبها في غرفته ، الأغراض التي اشترتها خلال الشهور الماضية استعداداً لاستقباله ، فرشاة الشعر الصغيرة، الوسادة اللطيفة، سمكة برتقالية صغيرة للغاية تشبه الشخصية الكرتونية اللطيفة " نيمو" والتي مازالت حيث تركتها على فراشها حين كانت تتأملها ، أمسكت بتلك السمكة التي كانت تنظر لها مبتسمةً مواسية، لم تكن قد رأت صغيرها بعد لكنها شعرت أن تلك السمكة الصغيرة تشبهه، لذا قررت تسميته "نيمو" تمينا َ بتلك السمكة البرتقالية الشجاعة المقاتلة التي استطاعت إيجاد والدها في النهاية برغم كل شئ، وقطعت معه المحيط كاملاً! عل " معجزتها الصغيرة" تحذو حذوها وتقاتل وتنجو من كل شئ عائدةً لأحضانها في النهاية! 


غفت ممسكة بالدمية الصغيرة لتستيقظ مساءً و جد كل شئ حولها صامتاً عدا الجرح الذي يصرخ داخلها، كانه يتساءل عن مصير ساكنه؟ لم تستطع ان تحدد ماذا كان يؤلمها أكثر ! جرح قلبها أم جرح ولادتها القيصرية! في النهاية كل شئ كان يؤلمها حداً يفوق البكاء و يعجزها عن التنفس، حتي تلك الملابس الصغيرة المتناثرة حولها تتساءل عن مصير صاحبها في صمت يؤلمها أكثر، "لا بد أن أراه" قفزت تلك الفكرة لعقلها فجأة! ولم تهدأ أبداً، حاولت أن تنهض وحدها فلم تستطع! برغم ذلك كان لابد لها أن تحاول حتى تنجح ما دامت تريد أن تراه ، مادامت تتمنى ان يقاتل هو فعليها أن تقاتل أيضاً لتكون إلى جواره! 


نهضت أخيراً في النهاية منتصرةً على جسدها معلنةً رغبتها في الذهاب لرؤية طفلتها في مركز الرعاية، ليواجهها الرفض الكبير من والدتها وزوجها لطفاً بقلبها وبحالتها الصحية التي لم تستقر بعد! لكنها لم تكن تسمع أو ترى شيئاً سوى ذلك الصدى في قلبها الفارغ يتردد بلا نهاية " لا بد أن اراه" 

لتنتصر ثانيةً في النهاية! ترتدي ملابسها بمعاونة والدتها، لتمشي الشارع لأول مرة بدون بطنها المستديرة الثقيلة لتبدأ رحلتها المجهولة التي لم تكن تعلم لها نهاية! 

وكان اللقاء الأول! 

بحكم عملها السابق كطبيبة في إحدى حضانات الأطفال رأت كثيراً منهم،  الخدج، والرضع، المرضى والأصحاء، لكن لم يسبق لأحد منهم أن سكن قلبها و جاور روحها لسبعة أشهر كاملة لم تذق فيها نوماً ليلاً أو نهار! 

كان متصلاً بأسلاك تفوقه حجماً، يتنفس من أنبوب، عينيه مغطاة بقناع، يرقد في استكانةٍ سابحاً في حفاظته الصغيرة داخل غرفة زجاجيه بها فتحة دائرية تكفي لإدخال يد فقط.. كان صغيراً جداً.. أصغر مما تخيلت حتى! 



لم تستطع لمسه! فقط وقفت تنظر له ذاهلةً في صمت من وراء الجدران الزجاجية، لن تستطيع حمله بالطبع ولا ضمه إلى صدرها، لمست يده الضعيفة بإصبع واحد مرتعش، فقط لتتأكد أنه حقيقي انه حقاً هنا! لا تدري حتى إن كان يشعر بها أو بوجودها، لكنها قررت أنها ستكون دائماً إلي جواره وان لم يكن لوجودها داع! 

انتظرها الجميع لتبكي، لتحكي، لتتكلم، لكنها ظلت مبتسمة في صمت، تحملق في ذلك الجسد الصغير لتتأكد أنه حقيقي، تتحسس تلك الأصابع الدقيقة لتشعر بقليل من الدفء ليطمئن قلبها ولو قليلاً أن صغيرها مازال هنا، ولو وراء جدران زجاجية، ظل الصدى يتردد بداخلها عميقاً سوف "لن أتخلى أبداً عنك! مهما طال الطريق! مهما كلفني الأمر!" 

دقائق و طلب منها طاقم التمريض أن تترك الغرفة فتركتها مرغمة، تقدم رجلاً و تؤخر الأخرى، كان الوضع خارج تلك الغرفة الصغيرة جنونياً ! مما اضطرها لإغلاق هاتفها منذ غادرت المشفى، البعض يهنئونها بالمولود في سعادة بالغة ويتساءلون عن اسمه بل و يمازحونها بشأن انه أصبح " ابن سبعة" كما يقولون، أنه سيصبح ولابد صعب المراس ! و آخرون يذكرونها بإجراءات إجازة الوضع، المقربون أكثر يواسونها في شفقة لا تحتملها، البعض يطمئنها، والبعض ينصحها أن تكون عقلانية أكثر و لا تتعلق به  _فاحتمالات النجاة ضعيفة _ وبحكم عملها تعرف ذلك جيداً بداخلها، وإن لم تعترف به ولن تعترف به أبداً ! تؤمن بكل جوارحها أن صغيرها سيعبر المحيط! سيسبح وينجو من كل شئ، سيعود لأحضانها ثانيةً مهما طال الوقت!
.. 



لم تكن تعرف أن تلك الزيارة القصيرة فقط البداية لشهرين كاملين من الخوف و الألم و الضياع! تارةً يغمرها الألم و يُجمع الأطباء أن حالته تتحسن، فجأة يتدهور كل شئ فتسقط ضائعة ًفي هوة اليأس، لتُفيق في فزع على احتمال أن يكون نظره قد تأثر من طول مدة بقائه متصلاً بالأكسجين، فتقضي أياماً متتالية لا تنام و لا تأكل منتظرةً النتيجة في فزع، تتضارب بداخل رأسها الاحتمالات المرعبة في عنف ! لكن لطف يدق قلبها برفق في النهاية وتظهر النتائج مبشرة أن نظره سليم بمشيئته لتعود مرةً أخرى لدوامة الأمل و اليأس التي لا تنتهي!


كانت تقضي يومها كله تقريباً في المستشفى، هاتفها مغلق، لا تعرف الكثير عن أي شئ خارج تلك الجدران الزجاجية التي تعرفت فيها على عالم كامل لم تكن تعرفه من قبل، عشرات من الحالات التي تتشابه أو تختلف مع حالة صغيرها، لكنها تجتمع في نظرات عيون الأهل الزائغة، دقات القلب المتلهفة التي تكاد تسمع من بعد ! صغار يتحسنون فجأة و يودعون الجدران الزجاجية عائدون لأحضان ذويهم، آخرون تسوء حالتهم فجأة فيغادرون العالم قبل أن يدخلوه، تاركين قلوباِ ثكلى تبكي فراقهم قبل احتضانهم!


أصبح ذلك المشفى بيتها، والممرضون المسئولون عن صغيرها عائلتها و الأهالي أصدقائها ، لم تعد تتذكر أي شئ قبل تلك الأيام، لا تفكر في شئ غير ذلك الجسد الصغير المستسلم المتصل بالأنابيب، تقضي الوقت الذي لا تكون فيه معه في المستشفى تشتري ألعاباً له، تكمل ما يلزمه من ملابس وتزين غرفته بالملصقات اللطيفة، أعادت طلاء سريره الصغير بنفسها، تفعل أي شئ يقتل الوقت ويغطى على دقات الساعة القاسية، لم تعد تعرف ما اليوم و لا التاريخ! فما الفرق! هو فقط يومٌ آخر لن تستطيع احتضان صغيرها فيه!
... 


إلى أن أشرقت شمس يوم رائع يستحق الصبر، تحسن كل شئ فجأة دون تفسير طبي واضح، رغم كل التوقعات و التكهنات والقلق استطاع الصغير أخيراً أن يتنفس بمفرده من إحدى فتحات أنفه، كان ذلك إعجازا عظيماً لم يتوقعه أحد!


لم تصدق ذلك الهاتف الذي حمل لها وزوجها الخبر ! وقفت تحملق في الفراغ ذاهلة، سأحمله بين ذراعي اليوم ! سيأتي لمنزلنا اليوم ! 

ارتدت ملابسها سريعاً ،ومرت الساعات التالية كثانيةٍ واحدة أو أقل، لم كن ترى أي  شئ يحدث حولها ولا تسمع أي صوت! استعادت إدراكها فجأة لتجد صغيراً أحمر اللون يبكي بلا صوت بين ذراعيها، غارقاً في ملابسه الصغيرة لا يكاد يبين منه شئ! كانت تسمع دقات قلبها المتلاحقة بوضوح تطغى على كل شئ، ربت زوجها على كتفها برفق يطمئنها " أصبح لدينا معجزة صغيرة". لقد سبح نيمو وحده و عبر المحيط و عاد اليك من جديد..


"نديم"


قطعت حديثه بصوت مرتعش فنظر إليها مستفهماً لتكمل..

" اسميته" نديم " ليكون رفيقنا في الدنيا و الجنة"
...
مر عامين على ذلك المشهد و مازالت كلما تتذكره يدق قلبها في عنف! لم تكن الرحلة بعد ذلك سهلة، لكنها كان تهون بوجود "معجزتها الصغيرة " فقدت والدها و أخيها فجأة، مازالت لم تستوعب بعد إلا أن ذلك" النديم" كان السبب الوحيد الذي انتشلها من أعتاب الجنون مرات ، الهدف الذي تستيقظ لأجله محاولةً الحياة من جديد كل يوم ! 


كان هو " معجزتها الصغيرة " التي قدرها لها الله لتستطيع المقاومة و الاستمرار في المحاولة، ومواجهة ما تخبئه لها الأيام في صبر!

كل ذلك تذكرته دفعةً واحدة بينما تضحك على قفزةٍ مضحكة قفزها صغيرها من فوق إحدى الوسائد التي يواصل رميها على الأرض طوال اليوم، لتعلق لها صديقتها في عجب ! إنها معجزة أنك تتحملين كل تلك الشقاوة في صبر!

لتجيبها في شرود .... نعم إنه "معجزتي الصغيرة" و "نديمي" أبد الدهر ! 

...............  ......  ...............

دائماً ما تفاجئنا الحياة بما لا نتوقع، وما لا نتخيل أننا نستطيع عليه صبراً يوماً، لكن لطف الله يُدركنا ويُدبر لنا الأمر من حيث لا ندري، فنبصر المنحة في المحنة وان طال الوقت.


تمرُ الأيام وننسى الألم بلُطف الله، ولا ننسى التجربة و لا يمرُ الموقف دون عبرة وعظة، نتألم و نبكي لكننا في النهاية نتعلم، لابد من الحزن ليأتي الفرح، و لا مفر من الألم لنتغير! 

لكن في النهاية كل مر سيمر، ستشرق الشمس وإن طال الليل ، الأيام ستمضي، سننسى ونتعافى و قد نحزن عندما نتذكر الألم و لكن بالتأكيد التألم لا ينفي أبدا التعلّم.. 


"ما أصابك لم يكن ليخطئك و ما أخطأك لم يكن ليصيبك، وحده الله يدبر الأمر" 

كلٌ بقدر فاستعن بالله، واصبر و لا تجزع .. 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

السلاح السري؟

ليسوا صغاراً، نحنُ من نخافُ عليهم أكثر!

أنتِ المشجعة الأولى!